الخميس، 19 ديسمبر 2013

المسئولية المدنية للمعلم




جامعة المنوفية
كلية التربية
قسم أصول التربية


المسئولية المدنية للمعلم

بحث غير منشور

إعداد


دكتور / جمال على  الدهشان

أستاذ أصول التربية المساعد
كلية التربية - جامعة المنوفية

2001







المحتويات
- مقدمة عن أهمية وضرورة دراسة  المسئولية المدنية للمعلم
- معنى المسئولية والمسئولية  المدنية
- أركان المسئولية
- المسئولية المدنية للمعلم : حالات مسئولية المعلم واثباتها.
- صور خطأ المعلم ومحل وعبأ إثباتها .
- طرق دفع مسئولية المعلم .
- أثر انعقاد مسئولية المعلم .
- المراجع .





مقدمة عن أهمية وضرورة دراسة المسئولية المدنية للمعلم :
يحتل موضوع المسئولية المدنية جانباً مهماً وأساسياً من موضوعات القانون بوجه عام والقانون المدنى بوجه خاص ، إذ هى محور القانون فى كافة نواحيه، وهى شق الرحى الذى يدور عليه صراع الخصوم فى أغلب ما يطرح من منازعات بدور القضاء وساحات المحاكم، ثم أنها تنفرد بالتطور والتجديد اللذين يلاحقانها على مختلف العصور، استجابة للمقتضيات الاجتماعية والاقتصادية ، وبما يجد عليها تبعاً لذلك من آراء ونظريات متعددة .
كما يعد موضوع المسئولية المدنية للمعلم شأنه شأن سائر المسئوليات المدنية لمختلف الوظائف والمهن من الموضوعات الجديرة بالبحث والدراسة لأسباب متعددة من بينها : ـ
1 ـ المعلم يتعرض فى عمله لمخاطر عديدة لا تقل جسامة عن المخاطر التى يتعرض لها غيره كالطبيب والمهندس المعمارى والمقاول ، وعلى الرغم من أن هناك دراسات عديدة ومستفيضة كُرست حول مسئوليتهم المدنية ـ استناداً إلى ما يتعرضون له فى عملهم من مخاطر- فإن مسئولية المعلم المدنية لم تحظ بنفس الدرجة من العناية والدراسة خاصة فى الفقه العربى.
2 ـ أن الظروف الحالية التى تشهدها مؤسساتنا التعليمية (تعدد الفترات ـ ارتفاع كثافة الفصول ـ سوء المرافق التعليمية) والأهداف الطموحة التى يسعى المجتمع إلى تحقيقها ، تلقى على المعلمين أعباء كثيرة ـ حيث يتولون تعليم ورقابة أعداد ضخمة من الأطفال والصبيان فى سن حيوية ونشاط ـ تتعلق بالمحافظة على النظام المدرسى ، وتحقيق الأهداف المرغوبة، هذه الأعباء تتطلب ضرورة دراسة جوانب مسئولية المعلم ، ومحاولة البحث عن أفضل الوسائل التى تحكمها ، والبحث عن أفضل الحلول الممكنة لها.
3 ـ إن ما تشهده المؤسسات التعليمية من حوادث مدرسية عديدة سواء ما تعلق منها باعتداء التلاميذ بعضهم على بعض، أو اعتداء التلاميذ على مدرسيهم، أو التطرف فى استخدام المعلمين للعقاب البدنى مع التلاميذ ، وهو ما كان مادة إعلامية للصحف اليومية فى الآونة الأخيرة ، حيث قامت بنشر العديد من هذه الحوادث باعتبارها ظاهرة تستحق التوقف عندها بالدراسة من قبل خبراء التربية والاجتماع وعلم النفس ورجال القانون ، كما تتطلب توفير قدر أكبر من الحماية للمعلمين من خلال إصدار بعض التشريعات الجديدة لحماية المعلم فى مصر ، ومساعدته على أداء عمله بصورة أفضل، كان تحل مسئولية الدولة محل مسئولية المعلم كما هو الحال فى بعض الدولة مثل فرنسا والكويت ولبنان.
4 ـ إنه مما يزيد من أهمية دراسة المسئولية المدنية للمعلم ، أن القانون المصرى لم يخص المعلمين ـ بالرغم من كونهم يشكلون قطاعاً كبيراً وهاماً فى المجتمع ـ بنظام خاص فيما يتعلق بمسئوليتهم المهنية والمدنية، أى أنه لم يميزهم عن غيرهم ممن يكلفون بالرقابة كالوالدين وأصحاب الحرف.


معنى المسئولية بوجه عام والمسئولية المدنية بوجه خاص :
المسئولية بوجه عام هى حالة الشخص الذى ارتكب أمراً يستوجب المؤاخذة عليه، فإذا كان هذا الأمر مخالفاً قواعد الأخلاق فقط ، وصفت مسئولية مرتكبه بأنها مسئولية أدبية، واقتصر على إيجاب مؤاخذته مؤاخذة أدبية ، لا تعدو استهجان المجتمع ذلك المسلك المخالف للأخلاق ، فالمسئولية الأدبية تكون أساساً حين يقترف المرء إثماً يسأل عنه أمام الله ويحاسب عليه الضمير ، سواءً كان ذلك بعمل أم بالامتناع أو ترك عمل ، والمعيار هنا ينحصر فى حسن النية أو سوئها ، والأمر فى هذا شخصى بحت.
وإذا كان الأمر مخالفا لقواعد الأخلاق، وكان القانون ـ أيضا ـ يوجب المؤاخذة عليه، فإن مسئولية مرتكبه لا تقف عند حد المسئولية الأدبية ، بل تكون فوق ذلك مسئولية قانونية تستوجب جزاء قانونياً.
فالمسئولية ـ إذن ـ نوعان أدبية وتتعلق بالحالة التى يوجد فيها الشخص الذى يخالف قاعدة من قواعد الأخلاق ،وقانونية وتتعلق بالحالة التى يوجد فيها الشخص الذى ارتكب فعلاً سبب به ضررا للغير ، فا ستوجب هو مؤاخذة القانون إياه على ذلك ، فهى الحالة التى يوجد فيها من يخل بقاعدة من قواعد القانون.
والواقع أن مدى أو نطاق المسئولية الأدبية أوسع بكثير من مدى أو نطاق المسئولية القانونية ذلك أن دائرة الأخلاق أوسع بكثير من دائرة القانون، لأنها تشمل سلوك الإنسان نحو خالقه ، ونحوه نفسه ، ونحو غيره ، أما دائرة القانون فتقتصر على سلوك الإنسان نحو غيره، وفى هذه الدائرة الضيقة يكتفى القانون بتنظيم نشاط الإنسان الخارجى، ولا يحفل بالنوايا الباطنة مادامت لم تتخذ لها مظهراً خارجياً.
والمسئولية القانونية نوعان جنائية ومدنية ، النوع الأول يتعلق بالحالة التى يكون مرتكب الفعل الضار مسئولاً قبل الدولة باعتبارها مشخصة للمجتمع ، ويكون جزاؤه عقوبة توقع عليه باسم المجتمع زجراً له ، وردعاً لغيره ، وتتولى النيابة العامة إقامة الدعوى عليه أمام المحاكم الجنائية ، وتقوم الدولة بتنفيذ العقوبة فيه بما لها من عمال تابعين لسلطتها التنفيذية.
ولقد حددت القوانين والشرائع الحديثة الأفعال التى تستتبع مسئولية جنائية، كما حددت العقوبة التى يستوجبها كل من هذه الأفعال،حيث أصبح من المبادئ الأساسية فى دساتير الدولة المتمدنة "أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
أما النوع الثانى : المسئولية المدنية ـ فيتعلق بالحالة التى يكون فيها الفرد قد أخل بالتزام مقرر فى ذمته ، وترتب على هذا الإخلال ضرر للغير ، فيصبح مسئولاً قبل المضرور، وملتزم بتعويضه عما أصابه من ضرر ، ويصبح للمضرور وحده حق المطالبة ، ويعتبر هذا الحق حقاً مدنياً خالصاً له، فالمسئولية المدنية تقوم حين يخل الفرد بما التزم به قبل الغير قانوناً أو اتفاقاً ، والجزاء فيها تعويض الضرر الناشئ عن هذا الإخلال .
ولأن المسئولية المدنية لا يقصد بها الزجر بل تعويض الضرر، فهى لا تعنى بحالة المسئول النفسية ، وإنما تعنى بما وقع من ضرر ، وبتعيين من يتحمل نتائجه المالية ـ المصاب به أو فاعله ـ وبتقدير التعويض بقدر الضرر بقطع النظر عن المسئولية الأدبية ومداها، فالمسئول مدنياً يمكن إلزامه بالتعويض ، ولو لم يمكن نسبة أى خطأ أدبى إليه ، كما فى مسئولية المتبوع عن فعل تابعه.
وإذا كانت المسئولية المدنية هى بوجه عام الالتزام بتعويض الضرر المترتب على الإخلال بالتزام أصلى سابق  واذا كانت الالتزامات ينشأ بعضها عن عقد (كالالتزام بتسليم المباع) وينشأ بعضها الآخر من القانون (فالقانون يلقى على كل فرد فى المجتمع التزاما بألا يضر بالغير ، فإن أضر كان مخلاً بهذا الالتزام) ، فإن رجال القانون المدنى يميزون بين نوعين من المسئولية المدنية يتعلق النوع الأول بالمسئولية التى تنشأ عن الإخلال بالتزام عقدى (كمسئولية البائع عن عدم تسليم المبيع فى الزمان والمكان المتفق عليهما) ويطلق عليه المسئولية العقدية ، ويتعلق النوع الثانى بالمسئولية التى تترتب على الإخلال بالتزام قانونى (كمسئولية السائق عن إضاءة الأنوار ليلاً ، أو مجاوزة قدر معين من السرعة) ويطلق على هذا النوع من المسئولية المدنية مسئولية تقصيرية.
فالمسئولية العقدية هى تلك المسئولية التى تنشأ عن الإخلال بما التزم به المتعاقد ، أما المسئولية التقصيرية فهى تلك المسئولية التى تترتب على ما يحدثه الفرد من ضرر للغير بخطئه.
ويوضح الشكل التالى أنواع المسئولية وتصنيفاتها
المســئولية



















               قــــانونيــة




أدبية أو معنوية
















   






جنائيــة


  مــدنية
















     عقدية


تقصيرية




















































q أركان المسئولية بوجه عام :
للمسئولية أركان ثلاثة لا تقوم بدونها أو بدون واحدة منها ـ كقاعدة عامةـ وإذا توافرت هذه الأركان فإن المسئولية تقوم ويترتب على قيامها آثار معينة أهمها جبر الضرر الذى ترتب، هذه الأركان الثلاثة هى : ـ
1 ـ  الخطــــأ : وهو ركن المسئولية الأول ، وفى نفس الوقت هو أساسها ، فالقاعدة هى بناء المسئولية على أساس الخطأ ، وهذا هو المغزى الذى قصدت إليه المادة 163 من التقنين المدنى الحالى حين قررت أن "كل خطأ سبب ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض .
والواقع أنه إذا كان من اليسير التأكيد على أن الخطأ ركن فى المسئولية فإنه من العسير إعطاء تعريف له يعلو على النقد ، فتعريف الخطأ يختلف باختلاف وجهة نظر كل فقيه ، ولعل من أشهر تعريفات الخطأ تعريف بلانيول والذى يرى "أن الخطأ إخلال بالتزام سابق" ولعل هذا التعريف صحيح تماماً بالنسبة للالتزام ببلوغ غاية ، ولكنه يحتاج إلى إيضاح فى حالة الالتزام ببذل مجهود إذ يثور التساؤل عن ماهية الإخلال به.
أما التعريف الذى يجذب نظر غالبية الفقهاء فيذهب إلى أن الخطأ هو انحراف عن السلوك الواجب مع إدراك هذا الانحراف ، هذا السلوك الواجب سلوك تصورى ، هو سلوك الرجل العادى وهذا الرجل واحد من الجمهور ، من أواسط الناس ، فهو ليس أشدهم حرصاً، ولا أكثرهم إهمالاً .
وللخطأ وفق هذا التعريف ركنين لا يقوم بدون اجتماعهما: فهو انحراف وهو إدراك لهذا الانحراف فالانحراف يعرف بأنه الركن المادى للخطأ ، وكثيراً ما يطلق عليه "التعدى" ، أما الإدراك وهو الركن المعنوى للخطأ فهو يشير إلى أن الخطأ لا يعتبر قد صدر من شخص إلا إذا اسند إليه إسناداً قانونياً أى إلا إذا أتى الشخص الفعل المادى وهو مدرك لما يأتيه ، ذلك أن الخطأ يستوجب المؤاخذة والمؤاخذة تستوجب الإدراك.
للخطأ أوصاف شتى ، فيقال خطأ عمدى وخطأ بإهمال ، وخطأ جسيم وخطأ يسير ، وخطأ تافه ، خطأ واجب الإثبات وخطأ مفترض.
2 ـ الضــــــــرر :  وهو الركن الثانى للمسئولية بحيث إذا انتقى لما قامت ، إذ حينئذ لن يكون لقيامها هدف تحققه ، إذ أن هدفها هو إزالة الضرر، كما وإن الدعوى نفسها تكون غير مقبولة إذ لا دعوى بغير مصلحة.
والضرر بالمعنى العام هو الأذى الذى يصيب الشخص من جراء المساس بحق من حقوقه أو بمصلحة مشروعة له حتى ولو لم يكون القانون يكفل تحقيقها، والمقصود بهذا الأذى أن يصبح الحق أو المصلحة أسوأ مما كان عليه قبل وقوع الخطأ.
والضرر على نوعين : مادى ويتمثل فى الخسائر المالية التى تتأتى نتيجة المساس بحق سواء كان الحق حقاً مالياً أو غير مالى ، ومعنوى (أدبى) وهو ما يصيب الإنسان فى مصلحة غير مالية (الشعور ، العاطفة ، الكرامة ، الشرف ، الارتياح النفسي، الظهور فى شكل غير لائق).
والضرر ثلاثة : ضرر وقع ، وضرر مؤكد الوقوع ، وضرر محتمل الوقوع ، وليست هناك مشكلة بالنسبة للنوع الأول من الضرر ، ولكن المشكلة فى الضرر الثانى والثالث والذى لم يقع أصلاً .
3 ـ علاقة السببية بين الخطأ والضرر : وهذه العلاقة تمثل الركن الثالث للمسئولية ، لا تقوم بدونها تماماً ، كما لا تقوم حيث انتفى الخطأ أو الضرر ، فالمسئولية تهدف إلى التعويض عن الضرر الذى أحدثه المسئول بخطئه، ومن ثم فما لم يكن خطأ المسئول هو الذى أحدث الضرر فلن يكون لهذا الأخير شأن به ، ومن هنا لزم أن يثبت مايسمى بعلاقة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر الذى يراد جبره ، فلو أن المدعى عليه أخطأ ولكن خطأه لم يتسبب فى الضرر ، أو لو أن الضرر لم ينشأ عن خطئه فلا مسئولية ، إذ لا يعقل أن يطلب من شخص دفع تعويض عن أضرار سببها الآخرون.
ويرى فقهاء القانون أنه إذا كانت فكرة السببية فكرة منطقية وبداهية ، فإن تحديدها أو القول بتوافرها أمر بالغ التعقيد ، والذى يدعو إلى هذا التعقيد أن الضرر ينشأ عادة عن أكثر من سبب ، وهنا ينبغى أن نحدد أى الأسباب أدى إليه ، ومن ناحية ثانية فقد تتعاقب الأضرار وهنا ينبغى أن نحدد ما الأضرار التى نتجت عن الخطأ ، وما الأضرار التى لم تنتج عنه وذلك حتى يتوقف التعويض عند حد معين ، فكلاً من تعدد الأسباب وتعاقب الأضرار يؤدى إلى تعقيد فكرة السببية ، بل أن هذه الفكرة لا تتضح إلا من خلالهما.
q المسئولية المدنية للمعلم :
تنبع المسئولية المدنية للمعلم من كونه شخص يتولى تعليم تلاميذ ، هم غالباً من الأطفال أو الصبيان ، فيكونون دائماً بحاجة إلى الملاحظة والإشراف والتوجيه ولهذا فإن من الطبيعى أن يلتزم برقابتهم ، خلال فترة أدائه لمهمته التعليمية ، وإذا ما أحدث هؤلاء التلاميذ ، أو حدث لهم ، ضرر منهم أو من الغير أو من المعلم نفسه ، فتثور حينئذ مسئولية المعلم باعتباره متولياً الرقابة عليهم.
فالمعلم ـ من الناحية القانونية ـ هو كل شخص يكلف بتعليم أطفال أو صبيان قصر ، ويلتزم فى نفس الوقت بالرقابة عليهم ، يستوى بعد ذلك ، أن يتناول التعليم المواد العادية التى تعطى فى المدارس العادية ، أو مواد العلوم والفنون ، أو المواد التى تختص بها المدارس المهنية والتقنية والرياضية، فمن اللازم لثبوت صفة المعلم وخضوعه بالتالى للأحكام الخاصة بمسئولية المعلم، توافر معيارين أو عنصريين جوهريين ومتكاملين : عنصر معنوى وهو التعليم أو التربية ، وعنصر موضوعى وهو الرقابة .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الالتزام بالرقابة أو التعليم إنما هو التزام ببذل عناية ، أى التزام بوسيلة ، وليس التزاماً بتحقيق نتيجة أى بغاية ، يستوى فى ذلك أن يكون التزاماً قانونيا، أو أن يكون التزاماً عقدياً ، وبعبارة أخرى ، فالالتزام يتمثل فى أن يتخذ المعلم الوسائل اللازمة وتدابير الحيطة فى الحدود المفترضة المألوفة لتجنب وقوع حادث للتلميذ ، أو من التلميذ للغير ، مع بذله عناية الشخص العادى ،  فالمعيار هنا هو معيار الشخص العادى، على عكس ما إذا كان التزاماً محدداً بنتيجة ، ويكون للقاضى سلطة التقدير الكاملة بالنسبة للوفاء به من عدمه ، ولهذا كان من الطبيعى أن يقع على المضرور أو ممثليه عبء إثبات الخطأ الذى ارتكبه المعلم فى الرقابة.
والحديث عن مسئولية المعلم المدنية يستلزم التحدث فى النقاط التالية:
qحالات مسئولية المعلم وإثباتها.             q صور خطأ المعلم وإثباتها.
q طرق دفع مسئولية المعلم.                 q أثر انعقاد مسئولية المعلم .
أولاً : حالات مسئولية المعلم وإثباتها :
يمكن تحديد الأضرار التى تنعقد مسئولية المعلم بسببها في مواجهة المضرور فى الآتى :

1 ـ الأضرار التى يحدثها التلاميذ للغير :
وقد نظمت مسئولية المعلم عن هذه الأضرار على أساس وجود قرينة بسيطة على الخطأ فى الرقابة ، وذلك على نحو ما يسأل الوالدين مدنياً عما يحدثه أولادهم من أضرار للغير (بمعنى أنه خطأ مفترض) ، وهذه الأضرار تتضمن حالات ثلاثة : ـ
أ ـ ضرر يقع للغير بخطأ التلميذ       ب ـ ضرر يقع للغير بفعل التلميذ.
ج ـ ضرر يقع للغير بشئ بين يدى التلميذ.
2 ـ الأضرار التى تصيب التلاميذ :
وقد نظمت مسئولية المعلم عما يقع للتلاميذ الخاضعين لرقابته من أضرار ، على أساس القواعد العامة للمسئولية المدنية من حيث وجوب إثبات خطأ المعلم (بمعنى أنها حالات واجبة الإثبات) ، ومن الحالات التى يسأل فيها المعلم عما يقع للتلميذ من أضرار ما يأتى :
أ ـ أضرار تقع للتلميذ بواسطة الغير .  ب ـ أضرار يحدثها التلميذ لنفسه.
ج ـ أضرار تقع للتلميذ بواسطة المعلم .
1 ـ الأضرار التى يحدثها التلاميذ للغير : وتتضمن هذا الأضرار ما يأتى : ـ
أ ـ الأضرار التى تقع للغير بخطأ التلميذ : أن أولى حالات مسئولية المعلم عما يحدثه التلاميذ من أضرار للغير هى تلك التى ترجع إلى خطأ هؤلاء التلاميذ ، والشرط الرئيسى لمسئولية المعلم فى هذه الحالة هو أن يكون التلميذ مميزاً ، حتى يمكن نسبة الخطأ إليه ، يستوى بعد ذلك ، كما يرى البعض أن يكون قاصراً أو رشيداً ، وإن كان البعض الآخر يرى أنه متى كان التلميذ رشيداً ، فلا يمكن أن تنعقد مسئولية المعلم عن خطأ فى رقابته ، على اعتبار أن هذا التلميذ الذى بلغ سن الرشد لن يكون فى حاجة إلى رقابة ، فالأصل أن الرقابة تقوم على القاصر إلى أن يبلغ سن الرشد حتى تنفك عنه الرقابة ، إلا إذا وجد ما يدعو لبسطها عليه وهو بالغ بسبب حالته الجسمية أو العقلية .
وانعقاد مسئولية المعلم فى مواجهة المضرور تقتضى توافر ثلاثة شروط هى :
الشرط الأول : أن ينسب إلى التلميذ خطأ سبب ضرراً :
اتجه القانون إلى وجوب نسبة خطأ إلى التلميذ ، متى كان التلميذ مميزاً ، وأن يكون هذا الخطأ هو الذى سبب الضرر للغير إذ كيف نلوم المعلم على أنه لم يستطع أن يمنع التلميذ الخاضع لرقابته من القيام بفعل ما ، متى كان هذا الفعل من الأفعال المشروعة ، وبالتالى فلا خطأ فى جانب المعلم ، مادام لا يوجد خطأ فى جانب التلميذ ، أن خطأ التلميذ شرط ضرورى لاعتبار المعلم مقصراً فى رقابته ، وعبء إثبات خطأ التلميذ يقع على المضرور . فمسئولية المعلم هنا مسئولية غير مباشرة لأن المعلمين حتى عندما يسألون ، إنما يسألون عن ضرر لم يترتب على خطئهم مباشرة ، وإنما يرتبط بخطأ التلميذ الخاضع لرقابتهم.
الشرط الثانى : أن يكون المعلم مكلفاً برقابة التلميذ :
إن من الضرورى قانوناً ، حتى تنعقد مسئولية المعلم عما أحدثه التلميذ من ضرر للغير بفعله غير المشروع ، أن يكون هذا المعلم مكلفاً برقابة التلميذ ، يستوى فى ذلك أن يكون مصدر الالتزام بالرقابة القانون أو الاتفاق ، ومما تجدر ملاحظته أنه ليس من المفروض أن يراقب المعلم كل تلميذ منفرداً، بل الغالب أن يراقب مجموعة من التلاميذ فى نفس الوقت ، ويكون عليه أن يقوم بالرقابة الفعالة بالقدر المألوف الذى يقتضيه وضع التلاميذ فى المدرسة ، كما أن عدم تنفيذ المعلم لهذا الالتزام ، أو تنفيذه تنفيذاً معيباً ـ وهو مايسمى القصور أو الخطأ فى الرقابة ـ يتحقق متى ثبت أنه لو تمت مراقبة التلميذ مراقبة جيدة ، فلم يكون يستطيع التلميذ ارتكاب الخطأ الذى سبب الضرر للغير .
الشرط الثالث : أن يرتكب التلميذ الخطأ وقت خضوعه لرقابة المعلم.
إذا كان الشرط الأول لانعقاد المسئولية بالنسبة للمعلم هو وجوب ارتكاب التلميذ عمل غير مشروع أى خطأ ، وأن يكون هذا التلميذ خاضعاً لرقابة المعلم وفقاً للشرط الثانى ، فإن من الضرورى أن يكون ارتكاب التلميذ لذلك الخطأ قد تم وقت خضوعه لهذه الرقابة، فهذا هو ما يبرر انعقاد مسئولية المعلم ، فرغم خضوع التلميذ لرقابة المعلم ، إلا أنه قد ارتكب خطأ سبب ضرراً للغير ، مما يعنى وجود قصور فى الرقابة من جانب المعلم . ومما تجدر الإشارة إليه أن الالتزام بالرقابة لا يقتصر على الوقت المخصص للدروس التقليدية ، وإنما يمتد إلى أوقات الاستراحة بين الدروس، وكذلك أوقات الرحلات والنزهات والجولات المدرسية ، كما أن الالتزام بالرقابة على المعلم خلال فترة التعليم يقوم حتى إذا لم يمارس تلك الرقابة من الناحية العملية ، كأن يغيب عنهم فجأة دون سبب مشروع ، أو يتركهم ويخرج من الفصل دون ترتيب مراقبة أخرى فعالة ، أو دون تبليغ إدارة المدرسة مسبقاً حتى توفر من يتولى رقابة التلاميذ فى غيبة معلمهم.
ب ـ الأضرار التى تقع للغير بفعل التلميذ : سبق أن ذكرنا عند الحديث عن أركان المسئولية أن للخطأ ركنان لا قيام له بدون أحدهما ركن مادى وهو التعدى ، وركن معنوى وهو الإدراك والتميز ، وإذا تخلف هذا الركن الأخير، لم نكن بصدد خطأ ، أو عمل غير مشروع بالمعنى القانونى ، وإن كان من الممكن أن نوجد أمام فعل ضار ، وإذا كنا قد أوضحنا أن انعقاد مسئولية المعلم توجد متى وقع ضرر للغير بخطأ من التلميذ الخاضع لرقابته أى بعمله غير المشروع ، فهل يمكن أن تنعقد مسئولية المعلم عن ضرر أحدثه تلميذ غير مميز للغير ؟ أى بفعل التلميذ الضار وليس بخطئه؟
من المعلوم أن التلميذ كأى شخص آخر يكون غير مميز إما لأنه لم يبلغ السابعة من عمره ، وإما لأنه رغم بلوغه قد أصيب بالجنون والعته ، فإن من الأمور التى يسلم بها القانون المصرى أن الفعل الضار يمكن أن يصدر من تلميذ غير مميز ، ولا يمكن لعدم إدراكه، إن ينسب إليه خطأ ، ويقدر القانون المصرى بحق أن إقامة المسئولية المدنية فى مواجهة المعلم عما يسببه هذا التلميذ من أضرار للغير، يعتبر اشد  ضرورة، ويتعين من ثم أن يكون التزامه أكثر صرامة ، فالتزام المعلم بالرقابة يكون أكثر شدة عندما يتعلق الأمر بطفل عديم التميز ، نظرا لما يتميز به هذا الأخير من خفة وطيش وعدم القدرة على ضبط السلوك ، فإذا كان التلميذ غير مميز ، فلا يكون أمام المضرور سوى مسئول واحد ،هو المعلم متولى الرقابة ، ولا يرجع على التلميذ الخاضع للرقابة ، إلا إذا انتفت مسئولية المعلم متولى الرقابة ، لانتفاء الخطأ ،أو لإنعدام رابطة السببية.
جـ ـ الأضرار التى تقع للغير بشئ بين يدى التلميذ :  وقد يحدث فى بعض الأحوال أن يكون الضرر الذى أصاب الغير قد حدث بفعل إيجابى لشئ وليس بفعل شخص، فإذا كان هذا الشئ مما تتطلب حراسته عناية خاصة أو آلة ميكانيكية، ثارت حينئذ مشكلة الخطأ فى الحراسة ، ورغم أن الشئ قد يكون بين يدى التلميذ ، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون حارساً له ، فقد يكون كذلك وقد يكون المعلم هو الحارس، كما قد يكون أحد والدى التلميذ.
q بالنسبة للحالة الأولى التى يكون فيها التلميذ حارساً للشىء :
فإن الأشياء التى تحتاج إلى عناية خاصة فى حراستها ، ويمكن أن تكون فى حراسة التلميذ كثيرة ومتنوعة، أسلاك كهربائية ، زجاجات مواد كيماوية ، أدوات طبية ، أدوات نجارة ، أدوات زراعية بمزرعة أو حديقة المدرسة ...الخ . وإذا كان التلميذ لا يمكن اعتباره حارساً إلا إذا كان مميزاً ، لأن حارس الشئ لا يجوز أن يكون عديم التمييز ، فهل تنعقد مسئولية المعلم عما يقع للغير من ضرر كان فى حراسة التلميذ ؟ ، يرى البعض أنه إذا كان الوالدان يسألان عما يحدثه ولدهما من ضرر للغير بشئ كان فى حراسته وذلك باعتبارهما يتوليان الرقابة عليه ، فإنه لا يجوز الاعتراض على هذا الحل بالنسبة للمعلم ، إذ لا يوجد سبب يحول دون انعقاد مسئولية المعلم فى هذه الحالة وذلك متى تم إثبات أنه لم يراقب الطفل حين استعماله للشىء ، أى عندما يثبت خطؤه فى الرقابة ، فلا يوجد ، إذن ، أى تناقض بين انعقاد مسئولية التلميذ كحارس ، ومسئولية المعلم كمتولى للرقابة عليه ، وعندما ينسب إلى التلميذ خطأ فى الحراسة ، وإلى المعلم خطأ فى الرقابة ، فإنه يمكن عند ذلك توزيع المسئولية بينهما بنسبة خطأ كل واحد منهما.
q وبالنسبة للحالة الثانية التى يكون فيها المعلم حارساً للشىء :
إذا كان المعلم يتولى تعليم التلاميذ على بعض الأدوات التى تحتاج فى حراستها إلى عناية خاصة ، كالأدوات الهندسية أو الطبية ، أو الكيميائية ، فالمعلم هو الحارس لتلك الأشياء، إذا أنها تحت سيطرته الفعلية ، بيد أن التلميذ قد يتمكن من استخدام هذه الأشياء فى الأضرار بالغير ، وحينئذ يمكن مساءلة المعلم على الخطأ فى الرقابة أو الخطأ فى الحراسة.
والواقع أن المضرور سوف تكون له مصلحة راجحة ، إذا اختار الرجوع على المعلم باعتباره حارساً للشىء حتى يستفيد من القرينة القاطعة على الخطأ فى الحراسة ، وهى أكثر فائدة له من مجرد القرينة البسيطة على الخطأ فى الرقابة ، خاصة وأن القانون المصرى لم يأخذ بنظام حلول شخص آخر فى المسئولية محل المعلم.
q وبالنسبة للحالة الثالثة ، والتى يكون فيها الشىء فى حراسة أحد والدى التلميذ :
إذا كانت الأضرار التى سببها التلميذ للغير بشىء سلمه أحد الوالدين له ، وكان هذا  الشىء مما يحتاج إلى عناية خاصة كأسلحة نارية أو أسلاك كهربائية أو مواد كيميائية أو زجاجية أو مفرقعات ... الخ، فإن الخطأ فى الحراسة ينسب حينئذ إلى الوالد، إذ لم يكن من الممكن أن تنتقل الحراسة إلى التلميذ لعدم تمييزه ولأن التلميذ إذا كان مميزاً  ، واختلس الشىء دون علم والديه ، فإن الحراسة تنتقل إليه ، كما تنتقل حراسة الشىء للسارق ، فالسنهورى يرى أن سارق الشىء يعتبر حارساً له.
كما يمكن أن ينسب إلى المعلم خطأ الرقابة ، إذا اكتشف هذا الشىء الخطر بين يدى التلميذ ، ولم ينزعه منه ، إذ أن ذلك يمثل دون شك أهمالاً من جانب المعلم ، ووفقاً للقواعد العامة فى المسئولية المدنية ، فإن دين التعويض يوزع على كل من المعلم والوالد ، ويستطيع المتضرر أن يطالب أحدهما بتعويض كامل الضرر ، ويكون لمن دفع منهم أن يرجع على الآخر طبقاً للقواعد العامة.
2 ـ الأضرار التى تصيب التلاميذ : ـ
من الحالات التى يسأل فيها المعلم عما يقع للتلميذ من أضرار ما يأتى : ـ
أ ـ الأضرار التى تقع للتلاميذ بواسطة الغير : ـ
يقصد بالغير هنا كل شخص آخر غير المعلم المسئول وغير التلميذ  المضرور ، فقد يكون تلميذاً آخر، كما قد يكون شخصاً أجنبياً ، مع ملاحظة أنه إذا كان محدث الضرر ، تلميذا آخر خاضع لرقابة نفس المعلم ، فإن مسئولية المعلم القائمة على قرينة الخطأ فى الرقابة ، ستكون فقط بالنسبة للتلميذ محدث الضرر ، وليست بالنسبة للتلميذ المضرور ، أما إذا كان الغير ليس بتلميذ ممن هم تحت رقابة هذا المعلم ، فإنه وفقاً للقانون المصرى ستكون مسئولية المعلم طبقاً للقواعد العامة ، أى بإثبات الخطأ فى جانبه ، الذى يتمثل فى تقصيره فى الرقابة ، الأمر الذى سمح للغير بأن يضر بالتلميذ، مع قيام رابطة السببية بين هذا الخطأ وبين الضرر ، بحيث يبرهن المضرور على أنه بدون هذا الخطأ ، كان يمكن تجنب ذلك الضرر . ولذلك فإن المعلم المقصر فى التزامه بالرقابة يسأل عن ذلك وفق القواعد العامة للمسئولية المدنية .
والواقع أنه توجد ثلاث حالات يمكن أن تقع تحت هذا النوع من الضرر:
الحالة الأولى : إذا حدث الضرر للتلميذ بواسطة أجنبى : فى هذه الحالة يكون المعلم المقصر فى التزامه بالرقابة مسئولاً بالتضامم In solidum مع هذا الأجنبى ، ونكون بذلك أمام إحدى حالات تعدد الفاعلين ، ويتم التعويض عن الضرر بالتوزيع على المعلم والغير.
الحالة الثانية : إذا حدث الضرر للتلميذ بواسطة شخص تابع للمؤسسة التعليمية ، دون أن يكون معلما ملتزما برقابة التلميذ كأمين مخزن ، أو سكرتير إدارى ، أو فراش ...إلخ ، فى هذه الحالة يمكن الى جانب إنعقاد مسئولية المعلم للتقصير فى الرقابة ، أن تنعقد مسئولية ذلك الفاعل المباشر للضرر ، فتنعقد بالتالى مسئولية المؤسسة التعليمية باعتبارها متبوعة لمحدث الضرر . ومسئولية المتبوع تقوم فى القانون المصرى على الخطأ المفترض، بل أن من الممكن أن تكون هذه المؤسسة التعليمية مسئولة مسئولية مزدوجة عن فعل الغير ، أولا كمتبوعة للفعل المباشر للضرر ، وثانيا كمتبوع للمعلم.
الحالة الثالثة : إذا حدث الضرر للتلميذ بواسطة شخصاً تابعاً للمعلم نفسه ، كمساعد له أو مشرف أو موجه فإنه طبقاً للقواعد العامة فى مسئولية المتبوع عن عمل التابع ، يجب إثبات خطأ التابع وليس المعلم ، ولكن لو أن المضرور أثبت خطأ شخصى للمتبوع أى المعلم فإنه يستطيع لو أراد ذلك أن يقاضيه مباشرة.
وفيما يتعلق برجوع المعلم المتبوع على التابع ، فإن ذلك سيتوقف على ما إذا كان المتبوع قد ارتكب خطأ أم لا ، حيث أنه إذا لم يكن قد ارتكب أى خطأ ، فإنه يستطيع الرجوع على التابع بكل مادفعه للمضرور من تعويض.
ب ـ الأضرار التى يحدثها التلميذ لنفسه :
وهى تلك الأضرار التى تحدث عندما يصيب التلميذ نفسه بضرر أثناء وجوده بالمدرسة، وخلال خضوعه لرقابة المعلم ، سواء فى وقت الدروس التعليمية أو أثناء فترة الإستراحة بين الدروس ، أو أثناء رحلة نظمتها المدرسة ، ورغم أن التلميذ هو الذى أصاب نفسه كمباشر للفعل الضار ، إلا أن المعلم يسأل عن ذلك طالما أن الحادثة قد وقعت والتلميذ تحت رقابته ، حيث قد يكون القصور أو الإهمال فى الرقابة من جانب المعلم السبب المباشر والدافع لوقوع الحادثة.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه متى أصيب التلميذ بضرر بخطأ منه ، فإنه عبء المسئولية سيتوزع بينه وبين المعلم المسئول ، أو بين هذا الأخير وبين والدى التلميذ ، وإذا ما طالب أحد هذين الوالدين المعلم بتعويض ما أصاب ولده من ضرر ، فلن يلتزم المعلم بدفع كامل التعويض ، بل يتحمل جزء فقط يعادل الخطأ الذى نسب إليه.
جـ ـ الأضرار التى تقع للتلميذ بواسطة المعلم :
وفى هذه الحالة يكون المعلم هو الفاعل المباشر للضرر الذى أصاب التلميذ الخاضع لرقابته ، فلم يتدخل أى عامل آخر بين خطأ المعلم والضرر الذى أصاب التلميذ ، بعبارة أخرى لم ينسب إلى المعلم مجرد قصور فى الرقابة ، بل هو نفسه الذى جرح التلميذ أثناء ضربه له ، أو أصابه بضرر معنوى بأفعاله أو عباراته المهينة ، فمسئولية المعلم تتعقد هنا مباشرة ، وليس بطريقة غير مباشرة عن فعل الغير ، يستوى فى ذلك أن يكون ما أحدثه المعلم من ضرر للتلميذ قد وقع منه شخصياً ، فعلاً أو قولاً ، أو بشىء كان فى حراسة هذا المعلم . وهنا تطبق على المعلم القواعد العامة فى المسئولية المدنية سواء عن الفعل الشخصى أو عن حراسة الأشياء ، ولكن يكون للمضرور الإختيار بين الرجوع علي المعلم بإثبات الخطأ فى جانبه ، أو بالرجوع عليه كحارس.
ثانياً : صور خطأ المعلم ومحل وعبء إثباتها :
أن صور خطأ المعلم تتضمن صورتان أساسيتان هما :
أ-الخطأ بفعل مباشر من المعلم.            ب-الخطأ في الرقابة.
أ-  الخطأ بفعل مباشر من المعلم : ويتمثل فى الإهمال أو الرعونة أو تعمد إيذاء التلميذ، مثل ضرب المعلم للتلميذ بشكل يؤدى إلى إصابته بجرح ، أو إيذاء المعلم للتلميذ بالقول المهين ، وهذا النوع من الخطأ لا يتميز به المعلم عن غير ممن يسألون عن أفعالهم الشخصية، وهنا تتعقد مسئولية المعلم طبقاً للقواعد العامة فى المسئولية عن الفعل الشخصى ، وإن كان البعض يطالب القضاء بضرورة التشدد مع المعلم فى هذه الحالة ، لأنه إنما أضر مباشرة بمن يلتزم بمراقبته من أجل المحافظة عليه.
أما فيما يتعلق بمحل وعبء إثبات هذا الخطأ ، فإن هذا النوع من الخطأ من نوع الأخطاء واجبة الإثبات وعبء الإثبات يقع هنا على المضرور ، أو أحد والديه، ويجب أن يتم بوسائل الإثبات المقبولة ، طبقاً للقواعد العامة فى الإثبات.
ب ـ الخطأ فى الرقابة : وهو يمثل الحالة المعتادة والمألوفة لخطأ المعلم، وصور خطأ المعلم فى الرقابة كثيرة ومتنوعة بتنوع الوقائع ، ويصعب تقديم حصر كامل لها ، ولذلك سيتم الأكتفاء بعرض بعض الأمثلة، خاصة الهامة منها ،على النحو التالى : ـ
1 ـ إنعدام أو عدم كفاية الرقابة : وتتمثل صورة هذا الخطأ فى انعدام رقابة المعلم على التلميذ بالرغم من التزامه بها ، كما يمكن أن تكون رقابة المعلم غير منعدمه تماماً ، إلا أنها لم تكن كافية ، من صور ذلك أنه أثناء أحد التمرينات العملية بورشة المدرسة أندفعت آلة من الآلات ، فأصابت عين تلميذ ، على أثر طرق تلميذ آخر عليها ، وقد نسب إلى المدرسة أنها لم توفر العدد الكافى من المشرفين بالورشة ، حيث لم يكن يوجد سوى مشرف واحد ، فى حين توجب اللوائح تواجد أكثر من مراقب لهذا العدد من التلاميذ.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن يترك المعلم التلاميذ ويذهب إلى دورة المياه ، ويكلف تلميذاً آخر برقابة زملائه، فيتشاجر تلميذان ، فيصيب أحدهما الآخر فى عينه بأحد الإدوات الهندسية ، فهذه الإصابة قد وقعت للتلميذ فى وقت تخلفت فيه أية رقابة من جانب المعلم عن تلاميذه.
2 ـ الإهمال فى الرقابة : وفى هذه الصورة يكون المعلم موجوداً بين تلاميذه، إلا أنه يقصر فى تنفيذ إلتزامه بمراقبتهم ، مما قد يقضى إلى وقوع الضرر لأحدهم ، أو إحداث أحدهم ضرراً للغير ، فبرغم توافر رقابة المعلم فى هذه الحالة إلا أنها رقابة قاصرة أو معيبة ، ومن حالات الإهمال التى يمكن نسبتها إلى المعلم أن يترك على منضدة أجزاء من أدوات خطرة ، مع علمه أن تلاميذه سوف يمرون أمام هذه المنضدة عندما سيذهبون إليه. ومن هذا الإهمال أيضاً ، ألا يتخذ مشرف فى معسكر ترويحى الإحتياطات الضرورية من أجل منع التلاميذ الذين يراقبهم ، من أن ينزلقوا على ترابزين سلم ، ولم يتخذ أى إجراء وقائى يمنع التلاميذ الذين يراقبهم ، من أن ينزلقوا على ترابزين سلم ، ولم يتخذ أى إجراء وقائى يمنع التلاميذ من هذا العمل الخطر مما لايتواءم وكفالة رقابة فعالة عليهم.
3 ـ تسهيل وقوع الضرر : وهى تشمل الصور أو الحالات التى يؤدى سلوك المعلم فيها إلى سهولة وقوع الضرر ، سواء من التلميذ للغير أم من الغير للتلميذ ، كأن يضع المعلم بين يدى التلاميذ لعب أو أدوات أو أشياء خطرة . هذا المعلم يكون مخطئاً مما يفضى إلى انعقاد مسئوليته فى حالة إصابة تلميذ لنفسه عند إمساكه لتلك الآلة الخطرة ، وخطأ المعلم يتمثل فى القصور فى الرقابة نظراً لأن ذلك يسهم فى تسهيل وقوع الضرر ..
4 ـ عدم اتخاذ الإحتياطات الأمنية : يتوافر أيضاً الخطأ فى الرقابة من جانب المعلم ، إذا كانت الظروف المدرسية تقتضى منه أن يتخذ بعض الإجراءات الوقائية ، التى من شأنها أن تقلل فرص وقوع أضرار من التلاميذ ، ولم يتخذ مثل هذه الإجراءات ، وترتيباً على ذلك ، إذا لم يتخذ المعلم احتياطات خاصة فى مواجهة التلاميذ المشاغبين المتمردين ، كان مقصراً فى الرقابة، وانعقدت مسئوليته عما يقع بسبب هؤلاء التلاميذ من أضرار ، إذ كان يجب عليه أن يعمل على تقويم سلوك هؤلاء التلاميذ ، ويجنب بقية زملائهم سلوكهم العدوانى.
وتشمل هذه الصورة أيضاً أن يعطى المعلم أمراً معيناً للتلميذ ، دون اتخاذ الإحتياطات اللازمة لتنفيذ هذا الأمر ، تلك الإحتياطات التى تأخذ فى الإعتبار سن التلميذ ، ومدى رعونته، ولذلك حكم بأن المعلم يكون مسئولاً ، عندما يأمر تلميذ صغير بفتح نافذة حجرة الدراسة ، فينكسر مقبض تلك النافذة، ويقع فيصيب عين تلميذ آخر.
وفيما يتعلق بمحل وعبء إثبات هذه الصور من الأخطاء ، فإن محل الإثبات هو الخطأ فى الرقابة ، وهو خطأ مفترض (ثابت) قائم على قرينة وجود الخطأ ، بمعنى افتراض أن ارتكاب التلميذ القاصر الخاضع لرقابة المعلم للفعل الضار سببه إهمال وتقصير من جانب المكلف برقابته ، ولهذا لا يكلف المضرور إثبات هذا الخطأ ، وقرينة الخطأ القائمة فى جانب المعلم ،  هى قرينة بسيطة ، يمكن هدمها بإثبات عكسها ، أى بإثبات إنتفاء الخطأ فى جانب هذا المعلم متولى الرقابة.
والواقع أن مايفترض فى هذه الحالة ليس الخطأ فى الرقابة فقط ، وإنما أيضاً رابطة السببية بين ذلك الخطأ المفترض  وبين الضرر ، بحيث يعفى المضرور من إثباتها ، وبناءً على ذلك فإن المضرور وفقاً لفكرة الخطأ المفترض عليه أن يقيم الدليل على أن مرتكب الضرر إنما هو تلميذ خاضع لرقابة المعلم ، الملتزم برقابته قانوناً أو اتفاقاً .
ومما تجدر الإشارة إليه ان الخطأ المفترض فى جانب المعلم ، ليس فيه غبن للمعلم ـ كما يرى رجال القانون ـ لأن قرينة الخطأ هنا إنما قرينة بسيطة يجوز له إن استطاع أن يدحضها ، إما بنفى الخطأ فى الرقابة ، أو  بنفى علاقة السببية بين الخطأ فى الرقابة وما وقع من ضرر للغير. ولا شك أن المعلم بماله من إتصال مباشر بالتلميذ، وإدراك تام بالظروف التى وقع فيها الضرر ، قادر على ذلك متى كانت متوافرة لديه بالفعل إحدى هاتين الوسيلتين، أما إلقاء عبء الإثبات بالكامل على المضرور ، فإن فيه ظلم بين له ، حيث يكون المضرور تلميذاً صغير السن أو قليل الخبرة ، وبالتالى غير قادر على شرح وإيضاح الظروف والملابسات التى وقع فيها الحادث ، وهى الفعل غير المشروع أو الفعل الضار الذى وقع من التلميذ الخاضع للرقابة ، فضلاً عن أن والد التلميذ المضرور غالباً ما يكون بعيد تماماً عن هذه الظروف والملابسات ، الأمر الذى يجعل من الصعوبة البالغة عليه تقديم البرهان أو الدليل على خطأ المعلم فى رقابة التلميذ الفاعل المباشر، ولذلك يرى رجال القانون أن أفضل حل يحقق التوازن بين هاتين المصلحتين (المعلم- التلميذ المضرور أو والده) هو عكس عبء الإثبات ، أى إقامة قرينة بسيطة على خطأ المعلم فى الرقابة لمصلحة المضرور ، هذه قرينة بسيطة بحيث يجوز للمعلم أن استطاع أن ينفيها.
ثالثا : طرق دفع مسئولية المعلم
يقصد بطرق دفع مسئولية المعلم ، تلك الأساليب والإجراءات التى يستطيع المعلم من خلالها أن يتخلص من هذه المسئولية ، وينفى عن نفسه الخطأ سواء كان خطأ مفترضاً أم خطأ واجب الإثبات .
والواقع أن دفع المعلم المسئولية عن نفسه ليس بالأمر اليسير ، نظر لتنوع أساس هذه المسئولية تبعاً لحالاتها المختلفة . فى هذا الإطار يمكن أن نمييز فى طرق دفع المسئولية بين النوعين الرئيسين فى مسئولية المعلم أى بين تلك القائمة على خطأ مفترض ، وتلك القائمة على خطأ واجب الإثبات.
أ ـ دفع مسئولية المعلم القائمة على خطأ مفترض :
سبق أن أشرنا أن القانون المصرى لم يكتف بافتراض خطأ المعلم ، بل إنه يفترض كذلك رابطة السببية بين ذلك الخطأ المفترض وبين الضرر ، ولذلك فإنه لكى يدفع المعلم المسئولية المفترضة عن نفسه عليه أن يبرهن بكافة طرق الإثبات على أحد أمرين :
1 ـ نفى الخطأ المفترض للمعلم (عكس قرينة الخطأ).
2 ـ نقى رابطة السببية بين خطأ المعلم والمضرور (عكس قرينة السببية).
وسوف نتحدث فيما يلى عن الوسائل والإجراءات التى يمكن للمعلم أن يتبعها، لنفى كلا الأمرين :
1 ـ نفى الخطأ المفترض للمعلم : من الثابت قانونياً أنه يجوز للمعلم الذى يخضع لقواعد المسئولية القائمة على خطأ مفترض أن ينفى عن نفسه هذا الخطأ ، بأن يثبت أنه قام بتنفيذ إلتزامه بالرقابة ، ولم يرتكب أى إهمال أو تقصير ، وأتخذ جميع الإحتياطات اللازمة لمنع التلميذ من إرتكاب الفعل الضار ، وبعبارة أخرى يقيم الدليل على أنه قد حرص على الرقابة التى مارسها بالشكل الفعال ، وبالقدر الذى يقتضيه الوضع الذى كان فيه ، ومع ذلك فلم يفلح فى تجنب الفعل الضار ، بعد الذى بذل من جهد دون توان أو تجاهل ، أى أنه قام بالواجب، وهو مايعفيه من المسئولية لعدم وقوع خطأ، وفىهذا الإطار نشير إلى ثلاث ملاحظات :
أ  ـ أن المعلم هو الذى يتحمل عبء الإثبات ، لأن الخطأ مفترض فى جانبه ، وعليه أن ينفيه بإثبات أنه قام بواجب الرقابة بما ينبغى من العناية، وأنه قد اتخذ الإحتياطات المعقولة ليمنع التلميذ من الإضرار بالغير ، أو إضرار الغير به، أو إضراره بنفسه.
ب ـ أن الإلتزام بالرقابة يعنى بذل عناية الرجل العادى فى كل حالة ، وفقاً للوسط الإجتماعى والعادات والآداب السائدة، وعلى الخصوص من الخاضع للرقابة وحالته الشخصية .
ج ـ إن التزام المعلم بالرقابة إنما هو إلتزام يبذل عناية ، وليس إلتزام بنتيجة ، مع ملاحظة أن تقدير هذه العناية سوف يكون أكثر شدة كلما كان التلاميذ الخاضعين للرقابة من صغار السن ، أو غير الأسوياء عقلياً أو جسمياً .
د ـ أن دور المعلم فى نفى الخطأ المفترض فى جانبه يكون أيسر من الناحية الواقعية من نفيه ذلك الخطأ إذا كان قد سبق وقدم المضرور الدليل عليه، لأن القرنية تقوم على الإحتمال الغالب ، وليس على اليقين ، ولذلك كان من الواجب أن يأخذ القاضى ذلك فى الإعتبار ، وأن يراعى أن المعلم ، إنما افترض أنه قد أخطأ فى الرقابة ، من أجل إعفاء المضرور عبء الإثبات ، ومن هنا يجب أن يكون متسامحاً مع هذا المعلم فى تقدير مايقدمه من أدلة ينفى بها خطئه المفترض.
2 ـ نفى رابطة السببية بين خطأ المعلم والضرر : يستطيع المعلم نفى رابطة السببية بين خطئه المفترض فى الرقابة ، وما أصاب الغير من ضرر بأحد طريقين : ـ
الطريق الأول:ان يقطع رابطة السببية بين خطئه في الرقابة وبين وقوع الضرر ،بان يثبت ان الفعل الذى أدى إلى الصرر قد وقع فجأة مثلا، وهنا يكفى المعلم ان يثبت ان الضرر قد وقع دون ان يكون لوقوعه أية علاقة بالخط المفترض فى جانبه،فيكون من شأن ذلك قطع الصلة مابين التقصير المفترض من جانب المعلم متولى الرقابة،وبين الضرر الذى أصاب المضرور،بان كان هذا الضرر سيقع حتى ولو اتخذ متولى الرقابة كل الإحتياطات المعقولة لمنعه،فلم يكن الخطأ المفترض فى جانب المعلم هو السبب فى حدوث الضرر.
الطريق الثاني : أن يقطع رابطة السببية بأن يثبت سبباً أجنبياً بالنسبة إلى التلميذ مرتكب الفعل الضار ، فيرد الحادث ذاته إلى سبب يكون أجنبياً بالنسبة إلى التلميذ كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائى أو فعل الغير ، إذ أنه متى ثبت أن ما نسب إلى التلميذ إنما يرجع إلى سبب أجنبى بالنسبة إليه ، فإن مسئولية التلميذ لاتتحقق ، وبالتالى لاتقوم مسئولية المعلم المكلف برقابته.
ومما تجدر الإشارة أنه لايجوز للمعلم أن يحتج بأن الحادثة الضارة كانت نتيجة ظرف فجائى متى أثبت المضرور خطأ فى جانب هذا المعلم متمثلاً فى القصور فى الرقابة ، مما ينفى عن الحادث صفة الفجائية ، وفى ذلك يرى السنهورى أنه لايجوز التمسك (من جانب المعلم) بأن الحادثة التى أدت إلى الضرر كانت نتيجة لظرف مفاجئ ، إذا اثبت المضرور تقصير فى جانب متولى الرقابة.
ب ـ دفع مسئولية المعلم القائمة على خطأ واجب الإثبات :
تخضع طرق دفع مسئولية المعلم القائمة على خطأ واجب الإثبات (وهى فى القانون المصرى تشمل فقط كل ما يقع للتلميذ من أضرار) للقواعد العامة فى دفع المسئولية المدنية ، ولذلك فإنه إذا أراد المعلم دفع هذه المسئولية ، فإنه سوف يسعى إلى هدم أركانها ، ويمكن أن يتم ذلك من خلال قسمين من الوسائل ، الأول : يتجه إلى نفى الخطأ بتبرير الفعل الضار ، والثانى : يتجه إلى نفى رابطة السببية.
1 ـ وسائل نفى الخطأ بتبرير الفعل الضار : والمعلم هنا لايسعى إلى نفى الفعل الضار، أو علاقة السببية بينه وبين الضرر ، خاصة بعد أن أثبت المضرور ذلك وإنما يسعى إلى  تبرير هذا الفعل الضار ،مما يفضى إلى رفع صفة الخطأ عنه وطبقا للقواعد العامة يمكن تبرير هذا الفعل الضار، من خلال ثلاثة أسباب هى : الدفاع الشرعى ، وحالة الضرورة ، وتنفيذ أمر صادر من رئيس،وفيما يلى بيان كل حالة بالتفصيل:
أ ـ الدفاع الشرعى : من الثابت أن معظم الأنظمة القانونية تسمح للفرد بأن يدافع عن نفسه فى حالة العدوان المباشر على النفس أو المال ، فذلك مما يتفق مع طبيعة الأمور ، فأساس عدم المسئولية فى حالة الدفاع الشرعى هو إنتفاء الخطأ ، والشخص لا يكون مسئولاً عن فعله الضار إذا لم يكون هذا الفعل خاطئاً، والواقع أنه من اللازم توافر بعض الشروط من أجل أعمال هذه الحالة من أهمها :
q وجود خطر حال على النفس أو المال ، وكلمة حال تعنى خطر وقوع الأذى وليس الأذى نفسه ، بمعنى أن يكون التهديد بالأذى جدياً بحيث يكون طبقاً للسير العادى للأمور ، وبحسب الظروف المحيطة بالواقعة، من شأنه أن يصيب أن يؤدى إلى إصابة الإنسان فى شخصه أو ماله ، وأن يكون هذا التهديد قريباً بحيث لا يمكن الإلتجاء إلى السلطة العامة، أو إلى أية وسيلة أخرى لدفع الخطر ، ولايبقى سوى إرتكاب الفعل محل المساءلة ، وأن يكون هذا الخطر مهدداً نفس الشخص أو ماله ، أو حتى نفس الغير أو ماله.
q أن يكون مصدر الخطر عملاً غير مشروع يحظره القانون ، أو أمر مدير المدرسة ، أو المعلم نفسه فيكون إساءة بغير وجه حق . (منع المعلم التلميذ من القيام بعمل أمره به مدير المدرسة مثلاً) بل هو فعل ضار مسموح به لفرض واحد ، وهو توقى وقوع الإعتداء واستمراره ، وهذا يقتضى ألا يكون فى الإمكان دفع الأذى بالتجاء إلى طريقة أخرى غير إستعمال القوة مع التلميذ المعقدى مثل مجرد التهديد من قبل المعلم للتلميذ المعتدى . وإلا أبلغ عنه إدارة المدرسة. أو حرمانه من درجات السلوك . أو من الإمتحان... الخ.
ب ـ حالة الضرورة : تنص المادة 168 من القانون المدنى المصرى على" أن من سبب ضرراً للغير لتفادى ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره ، لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذى يراه القاضى مناسباً"، وما ذلك إلا مجرد تطبيق للقاعدة الشرعية التى تقرر ان الضرورات تبيح المحظورات . ويلزم لإعمال هذه الحالة توافر الشروط الآتية : ـ
1 ـ أن يكون الفعل الضار قد تم اتقاء لخطر جسيم ، محدق يتهدده هو أو غيره فى النفس أو المال ، ويقصد بالخطر الجسيم الذي يحدث ضرراً كبيراً ، أما الخطر المحدق فهو الخطر الحال ، أى الذى بدأ وقوعه ولزم منع تفاقمه ، أو تهديد بخطر جدى .
2 ـ أن يكون الخطر المراد تفاديه ، ناشئاً عن سبب لايد لمحدث الضرر فيه ، فلا يجوز أن يكون المعلم هو سبب الخطر ، وإلا لكان هو المسئول عن الضرر ، لأنه يكون هو الذى أوجد حالة الضرورة بفعله .
3 - أن ينصب الضرر اللاحق على المال ، فلا تتوافر حالة الضرورة إذا اضطر المعلم الى إحداث ضرراً بأحد التلاميذ لإنقاذ تلميذ آخر ، وإنما إذا أتلف مالاً لتلميذ لحماية تلميذ آخر من ضرر أكبر ، مع مراعاة أن يكون الضرر الناجم عن هذا الفعل أكبر من الضرر الذى كان يمكن أن يقع بالغير ، وإلا فلا مبرر للمساس بحقوق اللآخرين لتفادى ضرراً مساو أو أقل.
إذا توافرت هذه الشروط كان المعلم غير مخطىء وفقاً لمعيار الرجل العادى ، فما أتاه ليس سوى سلوك يمكن أن يأتيه الرجل العادى ، ولذلك يكون غير مسئول على أساس المسئولية المبنية على الخطأ.
ومما تجدر الإشارة إليه أن نقى مسئولية المعلم ، لايعنى حرمان المضرور من تعويض الضرر أو جزء منه ، ولكن القاضى يقرر تعويض جزئى (بمقتضى قواعد الاثراء بلا سبب على حساب الغير).
ج ـ تنفيذ أمر الرئيس : تنص المادة 167 مدنى مصرى "أن الموظف العام لايكون مسئولاً عن عمله الذى أضر بالغير ، إذا اداه تنفيذاً لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيسه" ذلك أن القول بخطأ الموظف ومسئوليته عن تنفيذ أمر الرئيس أو القانون ، يضع هذا الموظف العام بين أمرين : فهو أن رفض هذا الأمر تعرض للجزاء الإدارى ، وإذا نفذه تعرض للمسئولية المدنية ، ولا يمكن للقانون أن يضع الأفراد فى هذا المأزق ، فالحكمة من تقرير هذا الحكم إذن هى رعاية المصلحة العامة ، حتى لا تكون خشية المسئولية سبباً فى تردد الموظفين فى قيامهم بأعمالهم.
انطلاقاً مما سبق يكون تنفيذ المعلم لأمر القانون، أو لأمر صادر إليه من رئيسه مبرراً كافياً لرفع صفة عدم المشروعية عن الفعل ، وبالتالى سبباً لدفع مسئوليته.
ومما تجدر الإشارة إليه أن لكى يعفى المعلم من المسئولية فى هذه الحالة، لابد من توافر شروط محددة من أهمها : ـ
1 ـ أن يكون المعلم موظفاً عاماً ، أى معلماً بالمدارس الحكومية ، أو بتعبير آخرالمدارس التابعة لوزارة التعليم .
2 ـ أن يكون المعلم قد أدى العمل بتنفيذ لأمر رئيس ، وأن يعتقد المعلم أنه أمراً مشروعاً وأن طاعته واجبة عليه.
3 ـ أن يثبت المعلم أنه قد راعى فى تنفيذ هذا الأمر جانب الحيطة والحذر ، بحيث لو تبين أن المعلم قد نفذ ذلك برعونة وعدم احتياط ، لما استطاع الإحتماء وراء أمر رئيسه لدفع المسئولية.
والواقع أن إعفاء المعلم من المسئولية فى الأحوال السابقة إنما يستند إلى كونه غير مخطىء.
2- وسائل نقى رابطة السببية بين الضرر وخطأ المعلم :
فى بعض الحالات قد يثبت الخطأ فى حق المعلم ولكنه لا يسأل مع ذلك عن تعويض ضرر حدث للغير وقت وقوع الخطأ ، إذا لم تكن هناك علاقة سببية بين هذا الضرر وخطئه . وبذلك يكون دفع مسئولية المعلم هنا ، رغم ثبوت خطئه ، عن طريق نقى رابطة السببية ، وذلك بإثبات حدوث الضرر نتيجة لسبب آخر لا يد له فيه وهو ما يسمى بالسبب الأجنبى .
والسبب الأجنبى كما تحدده النصوص القانونية هو كل ظرف أو حدث يكون قد توافر فيه شرطان :
الأول : استقلاله عن شخص المدعى عليه ، والثانى: إحداث أو مشاركته فى إحداث الضرر ، وغالباً ما يتمثل السبب الأجنبى فى أحد أمور ثلاثة : قوة قاهرة أو حدث فجائى ، وخطأ المضرور ، وخطأ الغير .
وفيما يلى بيان لكيفية تحقق كل صورة من هذه الصور بالنسبة لمسئولية المعلم القائمة على خطأ واجب الإثبات.
أ ـ القوة القاهرة أو الحدث الفجائى : القوة القاهرة واقعة لايستطيع الشخص أن يدفعها أو يمنع أثرها ، والحادث الفجائى واقعة لا يمكن توقعها ، والسائد قانونياً عدم التمييز بين القوة القاهرة والحدث الفجائى، بل ينظر إليهما على أنهما شيئاً واحدا ، فالتعبيران مترادفان، والواقعة التى تؤدى قطع رابطة السببية بين الخطأ والضرر هى الواقعة التى يتعذر على الشخص دفعها وتوقعها.
ما يجدر التأكيد عليه هنا أن معيار عدم التوقع إنما هو معيار موضوعى لا ذاتى ، فلا ينظر إلى المدعى عليه فقط ، بل إلى أشد الناس يقظة وبصراً بالأمور ، فلا يكتفى بما يمكن أن يتوقعه الشخص العادى ، كما أن عدم إمكان الدفع يجب أن يكون مستحيلاً استحالة مطلعة، فلا تكون الواقعة مستحيلة الدفع بالنسبة للمدعى عليه فقط .
ب ـ فعل  أو خطأ المضرور : أن علاقة السببية بين الخطأ والضرر تنتفى ـ وفقاً للقواعد العامة- إذا أثبت المسئول أن الضرر قد نشأ عن فعل أو خطأ المضرور نفسه . وهنا نجد أننا أمام ثلاث حالات :
q أن يكون فعل أو خطأ المضرور أكثر أهمية فى حدوث الضرر من خطأ المعلم بشكل واضح ، بحيث لا يمكن أن يعزى الضرر إلا إلى خطأ المضرور ، ففعل المضرور أو خطئه يستغرض خطأ المعلم ،الذى يعفى عندئذ من المسئولية لإنتفاء رابطة السببية .
qأن يكون خطأ المعلم هو الذى يستغرق خطأ المضرور،وفى هذه الحالة لايعتد بخطأ المضرور،وتنعقد مسئولية المعلم كاملة.
q أن يتساوى خطأ المعلم  وخطأ المضرور فى إحداث الضرر ، ويكون كل منهما سبباً مستقلاً له ، دون أن يستغرق أحدهما الآخر ، وهنا تنعقد مسئولية الطرفين ، مع مراعاة دور كل فعل أو خطأ كل منهما فى إحداث الضرر.
حـ ـ فعل الغير : يقصد بفعل أو خطأ الغير ، فعل أو خطأ شخص يتدخل فيحول دون المعلم ورقابته للتلميذ ، مما يؤدى إلى إيقاع هذا التلميذ ضرراً بالغير ، وإما إلى أن يقع لهذا التلميذ ضرراً بواسطة الغير ، ففعل أو خطأ الغير هو الذى منع المعلم من رقابة التلميذ ، وليس إهمالاً أو تقصيراً من جانب المعلم.
كما يقصد بفعل الغير قيام شخص مباشرة بإحداث الضرر بالتلميذ ، بالرغم من خضوعه لرقابة المعلم.
وفى هذه الحالة الأخيرة نكون بصدد تعدد للأخطاء المسببة للضرر : خطأ المعلم فى الرقابة ، وخطأ الغير، المعتدى، ووفقاً لنظرية السببية المنتجة، فإن على القاضى أن يحدد أى الخطأين يعتبر سبباً للضرر ، ويكون من ينسب إليه الخطأ الذى سبب الضرر هو وحده المسئول عن تعويضه ، وبالتالى إذا ما طولب المعلم بالتعويض عن ضرر أصاب التلميذ للخطأ فى الرقابة ، فإنه يستطيع أن يدفع مسئوليته بنفى علاقة السببية بين خطئه والضرر الحادث، بإثبات أن خطأ الغير هو السبب المنتج للضرر ، وبالتالى يكون هذا الغير مسئولاً وحده عن تعويضه.
إما إذا ثبت أن كلاً من الخطأين يعتبر سبباً منتجاً للضرر، فإن المسئولية تصبح مسئولية تضامنية فى مواجهة المضرور ، فالمادة 169، 216 مدنى مصرى تشير إلى أنه إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين فى التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوى ، إلا إذا عين القاضى نصيب كل منهم فى التعويض ، وذلك حسب جسامة خطأ كل منهم.

رابعاً : أثر انعقاد مسئولية المعلم :
متى انعقد مسئولية المعلم سواء كانت مسئولية مباشرة -بمعنى أن يكون محدث الضرر هو المعلم نفسه - أو مسئولية غير مباشرة- إذا كان محدث الضرر ليس المعلم نفسه وإنما التلميذ أو الغير - فإن المعلم يكون ملتزم بتعويض كامل الضرر للغير ، وذلك متى كان التلميذ الخاضع لرقابته هو الذى أحدث الضرر للغير ، كما أن المعلم يكون ملتزم أيضاً بتعويض الضرر الذى حدث للتلميذ الخاضع لرقابته سواء أكان محدث الضرر للتلميذ الغير ، أم التلميذ نفسه ، أم المعلم.
والواقع أنه متى دفع المعلم التعويض للشخص المضرور سواء أكان الغير أم التلميذ ، كان لهذا المعلم حق الرجوع بعد ذلك على أيهما ، ويكون هذا الرجوع كلياً أو جزئياً حسب الأحوال.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه على الرغم من أن بعض القوانين قد نظمت حلول الدولة أو أصحاب المعاهد والمدارس الخاصة محل المعلم فى المسئولية ككل أو حالات منها ، وعندئذ متى دفعت الدولة أو صاحب المعهد أو المدرسة الخاصة التعويض للمضرور ، كان له أو لها حق الرجوع على المعلم طبقاً للقواعد العامة. إلا أن المشروع المصرى ، لم يأخذ بنظام الحلول، حيث أنه آثر عدم معاملة المعلم معاملة متميزة عن غيره ممن يتولون الرقابة على غيرهم من القصر ، أو ذوى الحالات الجسمانية أو العقلية الخاصة ، بل ساوى بين المعلم فى هذا الشأن وبين غيره ممن يتولى الرقابة على هؤلاء كالوالدين أو المشرف على الحرفة أو الزوج ، ولعل هذا المسلك يظهر لنا مدى إصرار المشروع المصرى على عدم تبنى نظام حلول مسئولية الدولة ، أو غيرها من الأشخاص محل مسئولية المعلم.
والواقع أن مسلك المشروع المصرى نستند إلى مبررات عملية عديدة منها :
1 ـ أن الأخذ بهذا النظام من شأنه أن يضع على كاهل الدولة عبئاً إضافياً ، ويكفى الدولة ما تعانيه من أعباء فى العديد من الميادين الأخرى.
2 ـ أن إقرار هذا النظام يمكن أن يصرف القطاع الخاص عن التوسع فى إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة ، فى الوقت الذى يعانى فيه المجتمع المصرى من عجز شديد فى هذا المجال.
3 ـ يرى البعض أنه يمكن توفير بعض جوانب حماية للمعلم المصرى دون الحاجة إلى الإعتماد على نظرية الحلول ، فهناك من الوسائل القانونية البديلة ما هو كفيل بتوفير الحماية ، وأهم هذه الوسائل هو وضع نظام متكامل للتأمين من مسئولية المعلم عما يحدثه التلاميذ الخاضعين لرقابته، من أضرار للغير ، أو يقع لهم منها ، بحيث يساهم كل من المعلم والدولة، أو صاحب المدرسة أو المعهد الخاص بنسب معقوله ، فى دفع أقساط التأمين ، وبذلك لا نحمل الدولة عبئاً تنوء  به ، وفى نفس الوقت نوفر الأمان المطلوب للمعلم فى أدائه لمهمته التعليمية الجليلة . وهذا التأمين يمكن أن يتضمن نوعين : ـ
أ ـ تأمين إجبارى من المسئولية المدنية ، عما قد يحدثه التلاميذ من أضرار للغير ، أو يقع لهم من أضرار ، ويساهم فى أقساط هذا التأمين كل من المعلم والدولة ، أو صاحب المدرسة أو المعهد الخاص بحسب الأحوال، ولا جدال أن فى ذلك إلقاء ببعض العبء على المعلمين ، إلا أنه عبء محتمل ، وأيسر بكثير من تحملهم المسئولية المدنية كاملة ، فضلاً عن أنه يدفعهم إلى الحرص فى تنفيذ إلتزامهم برقابة التلاميذ ، ومادام أن هناك ثمناً للتقصير فى ذلك .
ب ـ تأمين ضد الإصابات ، ويكون إجبارياً أيضاً ، ويغطى خطر ما قد يقع للتلاميذ أنفسهم من أضرار ، ونرى أن من الواجب أن يشارك فى دفع أقساط هذا التأمين طرفين أساسيين هما : الولى المسئول عن التلميذ القاصر ، والدولة أو صاحب المدرسة أو المعهد الخاص، كما يجب أن يتقرر بمقتضى نص قانونى خاص ، أن مبلغ التأمين يحل محل دين التعويض الذى قد يحكم به على المعلم المسئول ، وبهذا المنهاج ، نحقق التوازن بين مراعاة مصلحة المعلم ، ومصلحة المضرور ، سواء كان من الغير ، أو كان تلميذاً خاضعاً لرقابة هذا المعلم ، فنحن بذلك نحفف العبء عن المعلم ، دون أن نضحى بمصلحة المضرور ، كما يتوافر قدر من الأمان فى المجال التعليمى للمعلم والتلميذ ، وهو آمان جوهرى ولازم لتحقيق الغرض من تلك المهمة الجليلة المتمثلة فى تكوين أجيال المستقبل.

المراجعـــــــــــــع
1 ـ حسين عامر : المسئولية المدنية التقصيرية والعقدية ـ مطبعة مصر ـ القاهرة ـ 1956.
2 ـ سليمان مرقس : الوافى فى شرح القانون المدنى (2) فى الالتزام ـ المجلد الثانى فى الفعل الضار والمسئولية المدنية ـ تنقيح حبيب إبراهيم الخليلى ـ القاهرة ـ 1988م.
3 ـ عبد الحى حجازى : النظرية العامة للالتزام "الجزء الثانى مصادر الالتزام، مطبعة نهضة مصر ـ 1954.
4 ـ عبد الرازق أحمد السنهورى : الوسيط فى شرح القانون المدنى ، حـ1. مصادر الالتزام ـ الطبعة الثانية ـ دار النهضة المصرية ـ القاهرة ـ 1964م.
5 ـ محمد لبيب شنب : دروس فى نظرية الالتزام - مصادر الالتزام - القاهرةـ 1976.
6 ـ نعمان خليل جمعة : دروس فى الواقعة القانونية ـ القاهرة ـ 1972.
7 ـ محسن البيه : المسئولية المدنية للمعلم ، دراسة مقارنة فى القوانين الكويتى والمصرى والفرنسى مع الإشارة إلى القانونين اللبنانى والمغربى ـ  جامعة الكويت -الكويت ـ 1990م.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق